الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفعل استجاب يدل على قبول الطلب ، والسين والتاء فيه للمبالغة أي تحقيق المطلوب . وقوله : أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ هو الكلام المستجاب به ولذلك قدره في « الكشاف » بأن أصله بأني ممدكم أي فحذف الجار وسلط عليه فَاسْتَجابَ فنصب محله . وأرى أن حرف ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد ( ما ) فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد كما كانت تفيد معنى المصدرية مع التأكيد ، فمن البيّن أن ( أن ) المفتوحة الهمزة مركبة من ( أن ) المفتوحة الهمزة المخففة النون المصدرية في الغالب ، يجوز أن يعتبر تركيبها من ( أن ) التفسيرية إذا وقعت بعد ( ما ) فيه معنى القول دون حروفه ، وذلك مظنة ( أن ) التفسيرية ، وأعتضد بما في « اللسان » من قول الفراء : « إذا جاءت ( أن : ) بعد القول وما تصرف من القول كانت حكاية ، فلم يقع عليها ( أي القول ) فهي مكسورة ، وإن كانت تفسيرا للقول نصبتها ومثله : قد قلت لك كلاما حسنا أن أباك شريف ، فتحت أن لأنها فسرت الكلام . قلت : ووقوع ( أن ) موقع التفسير كثير : في الكلام . وفي القرآن ، ومنه قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] الآية ، ومن تأمل بإنصاف وجد متانة معنى قوله : أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ في كون ( أن ) تفسيرية ، دون كونها مجرورة بحرف جر محذوف . مع أن معنى ذلك الحرف غير بين . والإمداد إعطاء المدد وهو الزيادة من الشيء النافع . وقرأ نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب : بفتح الدال من مُرْدِفِينَ أي يرد فهم غيرهم من الملائكة ، وقرأ البقية : بكسر الدال أي تكون الألف رادفا لغيرهم قبلهم . والإرداف الاتباع والإلحاق فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مددا ، وذلك أن اللّه أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما تقدم في سورة آل عمران ، ويجوز أن يكون المراد بألف هنا مطلق الكثرة فيفسره قوله : بِثَلاثَةِ آلافٍ في سورة آل عمران [ 124 ] ، وهم مردفون بألفين ، فتلك خمسة آلاف ، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيما أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى لأن ذلك أرهب للعدو . ويوجه سيوفهم ، وحلول الملائكة في المسلمين كان بكيفية يعلمها اللّه تعالى : إما